محمد هادي معرفة

283

التمهيد في علوم القرآن

واستنادا إلى ذلك يتّجه القرآن الكريم في إطار تقنين المجتمع إلى وضع المنهج الشامل لضبط التفكير والفعّاليات العقلية ، وهذا له أولويته في التصوّر القرآني - كما نعتقد - لمدخلية ذلك أصلا في انضباط الإنسان داخل المجتمع بلحاظ أنه ما لم ينفتح وجدانه على القواعد القانونية لا يتحقّق تفاعله الإيجابي معها . لاحظ قوله تعالى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ « 1 » . فالتكفير الصحيح يقود إلى الاستنتاج الصحيح ، والاستنتاج الصحيح يقود إلى الاعتقاد السليم ، والاعتقاد السليم يقود إلى الانقياد إلى الحقّ ، وفيه السلامة والنجاة . ويتّجه القرآن الكريم بعد ذلك إلى ضبط الفعّاليات داخل نطاق الأسرة بصفتها ( الوحدة الاجتماعية المصغّرة ) ، بلحاظ أنّ الأسرة تمثّل بيئة الإنسان ومهده وأجواء تنشئته ، وهو ينشدّ إليها لأكثر من اعتبار . لقد كان تدخّل القرآن الكريم في تنظيم العلاقات وتقنينها داخل نطاق الأسرة تدخّلا واسعا وتفصيليا ، إذ أخضعها إليه تكوينا وصياغة وإنشاء ، وأحكمها وفق ضوابط معيّنة ، وحدّد بدقة الحقوق والواجبات حفاظا عليها من الانحلال ، آخذا بنظر الاعتبار طبيعة الإنسان ، وما يمكن أن يحدث من إشكاليات ، وما يحتمل من طوارئ بما في ذلك انحلال الزواج وما قد ينشأ عنه من آثار تستدعي المعالجة الحاسمة ، فقال تعالى مثلا : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ « 2 » . ثمّ نجد القرآن الكريم بعد إنجاز هذه المهمّة يتّجه إلى ضبط الفعّاليّات الاجتماعية المتنوّعة بتقنين العلاقات المختلفة الناشئة من الأنشطة الاقتصادية أو غيرها ، وما ينشأ أيضا من التزامات بحكم الفعل والتصرّف .

--> ( 1 ) آل عمران : 191 . ( 2 ) الطلاق : 6 .